الرئيسية / الأخبار / الرؤیة السیاسیة لقوى الحریة والتغییر

الرؤیة السیاسیة لقوى الحریة والتغییر

نحو ھزیمة الانقلاب وسلطة مدنیة كاملة تقود الانتقال وعلاقة صحیة بین الشعب ومؤسساتھ النظامیة
طبیعة انقلاب 25 أكتوبر انقلاب 25 أكتوبر ھو انقلاب جنرالات المكون العســكري الذي اختطفوا المؤســســة العســكریة وارادتھا بالتواطؤ مع قوى الثورة المضـادة، وھذا الانقلاب لم یأتي ولید غضـبة آنیة أو ظروف نشـأت حدیثاً، حیث ظل ھؤلاء الجنرالات یعدون المسـرح لھ عقب سـقوط البشـیر عبر محاولات متعددة ومتنوعة منذ ابریل 2019 مروراً بفض الاعتصـام وما تلاه، وبعد توقیع الوثیقة الدسـتوریة التي اتبع عقبھا المكون العسـكري طریقاً اخر في تجھیز المشـھد للانقلاب حیث عمل على اضـعاف الحكومة المدنیة، ووضـع العراقیل في طریقھا، واســـتخدام الأجھزة الأمنیة التابعة لھ لتقســـیم الحركة الســـیاســـیة، وخلق الوقیعة بین الأحزاب ولجان المقاومة والمھنیین وداخل كل الأجســام المدنیة، وتشــویھ رموز الثورة وتلطیخ صــورة القیادات المدنیة من القوى الثوریة. ھذا العمل المسـتمر كان غرضـھ تغییر موازین القوى تدریجیاً لمصـلحة قوى الانقلاب.
وواصــــل جنرالات المكون العســــكري تنفیـذ خطتھم للانقلاب، ولم یتورعوا في ذلـك حتى عن تجویع الشــــعب وترویعھ، عبر الخنق الاقتصــــادي للبلاد والتلاعب بالغذاء والدواء والوقود وإشــــاعة جو من الانفلات الأمني، ظناً منھ بأن الشـعب سیلجأ ھرباً من مصاعب الحكم المدني إلى جحیم الحكم الاستبدادي الانقلابي وھو ما لم یحدث، فوعي شعبنا ھزم ھذه المخططات وأبطلھا كلیاً. اتسمت الأشھر الأخیرة قبل انقلاب 25 أكتوبر بتســارع الخطى نحو تنفیذه نســبة لثلاثة عوامل مھمة عرضــت خطة الانقلابیین في الســیطرة على مقالید الأمور للخطر، أولاھا نجاح الحكومة المدنیة الانتقالیة في تحقیق اختراقات عدیدة، فكت عزلة البلاد الدولیة واخرجت الســودان من قائمة الدول الراعیة للإرھاب وســارت في اعفاء دیونھ الخارجیة، وخففت من الضائقة الاقتصادیة ووفرت موارد للبلاد للصرف التنموي وزادت من الإنتاج في القطاع الزراعي والحیواني، وسـارت خطوات جدیة في تحقیق السـلام، مما صـعب مھمة وصـفھا بالفشـل واثارة الشـعب ضـدھا. العامل الثاني ھو تمكن تحالف قوى الحریة والتغییر من اسـترجاع وحدتھ بتوقیع الإعلان الســـیاســـي في 8 ســـبتمبر 2021، وتبنیھ لرؤیة واضـــحة للانتقال المدني الدیمقراطي وھو ما أجھض رغبة الانقلابیین في الاسـتثمار في تشـرذم القوى السـیاسـیة، رغم محاولاتھم المضـنیة لمنع توقیع الاتفاق والتي قادھا الجنرال عبد الفتاح البرھان شــخصــیاً، وثالث العوامل ھو تســارع عمل لجنة إزالة التمكین في تفكیك مفاصـل حیویة لنظام 30 یونیو، وضـربھا لأوكار الفسـاد التي مسـت مصـالح أطراف صـارت تشـجع على الإنقلاب ھرباً من الحسـاب والعقاب، ورغبة في الحفاظ على ثروات اكتسـبوھا دون وجھ حق، فصــار التحول المدني الدیمقراطي مھدداً مباشــراً لھم یجب التخلص منھ والانقضــاض علیھ. نتـاجـاً لـذلـك ســــرع المكون العســــكري من خطـاه للانقلاب بـدفع من بعض الـدوائر الاقلیمیـة، حیـث عقـد تفاھمات مع بعض الدوائر المرتبطة بالنظام البائد، واسـتغل التناقضـات القبلیة والاثنیة، وبدأ التھیئة لذلك بإثارة القلاقل في مناطق الإنتاج النفطي، ومن ثم الاسـتثمار في أزمة شـرق السـودان ومضـاعفتھا وتشـجیع إغلاق المیناء لخنق اقتصـاد البلاد، وانتقل من ثم لمحاولة انشـاء حاضـنة مصـنوعة موازیة بغرض خلق أزمة دسـتوریة، والضـغط على رئیس الوزراء لحل الحكومة لاسـتبدال المدنیین الرافضـین لھیمنة المكون العسـكري بدمي مدنیة طیعة، وكانت خاتمة المطاف اعتصـام القصـر المدعوم الذي ھیأ المسـرح السـیاسـي لصـــوت المارشـــات العســـكریة وبیان البرھان في 25 أكتوبر الذي انقلب على المرحلة الانتقالیة وأعاد
الفلول للواجھة مرة أخرى.
ولـد انقلاب 25 أكتوبر معطوبـاً وھو أول انقلاب في تـاریخ الســــودان یواجـھ بھـذه الـدرجـة من الرفض الشـعبي الجماھیري منذ سـاعتھ الأولى وقبل صـدور بیانھ الأول، حیث كانت الحركة الجماھیریة متأھبة قبل وقوعھ وبلغت قمة نھوضـھا عقب مواكب 30 سـبتمبر و 21 أكتوبر، كما جاء رد الفعل الدولي لیزید من عزلة الانقلابیین، وخاضــت جماھیر شــعبنا معركة كان لیكتب لھا فیھا الانتصــار لولا الخذلان الذي شــكلھ الاتفاق المفاجيء الذي وقعھ د. حمدوك مع الفریق أول عبد الفتاح البرھان في 21 نوفمبر، والذي شـكل امتداداً للانقلاب، ولكن شـعبنا رفض الاتفاق وواصـل مقاومة الانقلاب والاتفاق سـویاً دون تفرقة
بینھما.
ان اتفاق 21 نوفمبر “البرھان – حمدوك” بتأســــیســــھ على انقلاب 25 أكتوبر واقصــــائھ لقوى الثورة وانقلابھ على الوثیقة الدســـتوریة، وتمییعھ لقضـــیة العدالة لشـــھداء المقاومة ومســـاواتھ بین الضـــحایا والجلادین، إنمـا یشــــكـل في الجوھر عقـد إذعـان للانقلابیین وطعنـة نجلاء للحركـة الجمـاھیریـة في قمـة نھوضــــھـا، وإذ وضــــع د. عبـدالله حمـدوك نفســــھ بھـذا الاتفـاق بعیـداً عن قوى الثورة والانتقـال المـدني الدیمقراطي فإن اســــتعادتھ لموقعھ یتطلب أفعالاً لا أقوالاً، على رأســــھا نفض یده من اتفاق 21 نوفمبر والقطیعة النفسـیة والعملیة مع ذھنیة ازدراء الحركة السـیاسـیة الدیمقراطیة، والصـلابة في مواجھة التغول
العسكري الذي امتد لیحیط بھ إحاطة السوار بالمعصم.
إن انقلاب 25 أكتوبر یحمل في أحشــائھ بذور فنائھ، فھو بلا ســند شــعبي ویبدد مكتســبات الانتقال التي تحققـت في العـامین المـاضــــیین، حیـث أفقـد البلاد أكثر من 2 ملیـار دولار من العون التنموي من البنـك الدولي، وقرابة ال 850 ملیون دولار من حق السـحب الخاص الذي وفره صـندوق النقد الدولي، و700 ملیون دولار من الدعم الذي خصـصـتھ الولایات المتحدة الامریكیة لدعم الانتقال الدیمقراطي في السـودان ومبالغ ومشــاریع أخرى كانت مخصــصــة للبلاد، كما توقفت عملیة اعفاء الدیون وھددت عدد من دول العالم بالتراجع عن الســیر فیھا، وأعاد الســودان مرة أخرى لمربع العزلة والعقوبات الدولیة التي فارقھا بفعل ثورة دیسـمبر المجیدة، كما ھدد الموسـم الزراعي الصـیفي الذي انھارت أسـعار محاصـیلھ خصـوصـاً المخصصة للصادر، وتلوح الآن نذر فشل مبكر للموسم الشتوي لعدم توفر المدخلات، وھو ما یھدم الذي تحقق من طفرة في الإنتاج في العامین الماضـیین، كما توقفت مشـاریع مھمة مثل مشـاریع اصـلاح الخدمة المدنیة والإصـلاح العدلي والقانوني والتعاون الدولي التنموي في مجالات الصـحة والتعلیم الذي بلغ أوجھ في ھـذه الفترة. لیس ھـذا فحســــب بـل أن الانقلاب یھـدد بصــــورة جـدیـة أمن البلاد ووحـدتھـا وســــلامھـا الاجتماعي، خصــوصــاً أن العام الذي أعقب توقیع اتفاق جوبا قد شــھد تنصــل جنرالات الانقلاب عن الشــــروع في الإصــــلاح الأمني والترتیبات الأمنیة، مما عطل عملیة توحید الجیش تحت قیادة مركزیة واحدة وذلك على النقیض من مصـالح المؤسـسـة العسـكریة وتغلیباً لمصـالح ذاتیة عوضـاً عن المصـالح
الوطنیة العلیا.
الموقف السیاسي لقوى الحریة والتغییر:
یتلخص الموقف السـیاسـي لقوى الحریة والتغییر في ھزیمة إنقلاب 25 أكتوبر واسـتعادة الانتقال المدني الدیمقراطي بقیادة سلطة مدنیة حقیقیة مسنودة بالجماھیر تضطلع بالمھام التالیة:
1- تصفیة ركائز تمكین نظام الثلاثین من یونیو بصورة تركز على مفاصلھ الرئیسیة 2- الشروع في تنفیذ الترتیبات الأمنیة وتوحید الجیوش المتعددة تحت القوات المسلحة مع اجراء
إصلاحات تضمن مھنیتھا وقومیتھا وكفاءتھا 3- تنفیذ اتفاق سلام جوبا واستكمال عملیة السلام بالأخص مع الحركة الشعبیة لتحریر السودان
قیادة الحلو وحركة تحریر السودان قیادة عبد الواحد
4- تعزیز سیاسات الإصلاح الاقتصادي والسیر في برنامج الغاء الدیون وتمتین الشراكات الدولیة، وسن سیاسات اقتصادیة ذات محتوى اجتماعي ینحاز للفقراء والمھمشین ویرفع عنھم ضائقة المعیشة وضنكھا
5- الشروع في عملیة دستوریة شاملة تتوج بالمؤتمر القومي الدستوري الذي یضع أسس الدستور الدائم للبلاد
6- مواصلة الانفتاح الخارجي وفق سیاسة وطنیة متوازنة 7- إطلاق عملیة شاملة للعدالة الانتقالیة تكشف الجرائم وتنصف الضحایا وتضمن عدم تكرارھا
مرة أخرى، وتكوین مفوضیة مستقلة للعدالة الانتقالیة تقود ھذه العملیة. 8- اجراء إصلاحات عاجلة في جھازي الأمن والشرطة تحت اشراف كامل للسلطة المدنیة 9- اصلاح الأجھزة العدلیة والقضائیة 10- الوصول لمیثاق شامل یحكم العلاقة بین المدنیین والمؤسسة العسكریة خلال الانتقال
وما بعده 11- محاربة الفساد وتكوین مفوضیة مختصة بھذه المھمة وولایة المالیة على المال العام
وسیطرة الدولة على الاقتصاد وموارد البلاد الرئیسیة خصوصاً الذھب. 12- الإصلاح المؤسسي وإصلاح الخدمة المدنیة وضمان قومیتھا ورفع كفاءتھا وتحدیثھا
وتطویر نظمھا ولوائحھا 13- إقامة انتخابات حرة ونزیھة ومراقبة دولیاً في أقرب فرصة متاحة عند نھایة المرحلة
الانتقالیة باكمال مھامھا الرئیسیة اللازمة لضمان نزاھة وشفافیة العملیة الانتقالیة
ھذه المھام یبدأ تنفیذھا في المرحلة الانتقالیة ونحن نعي أن التحول الكلي في البلاد ســیســتغرق ســنوات عدیدة، ولكن المطلوب ھو الالتزام الصـارم بالسـیر قدماً للحد الأقصـى الممكن في تنفیذ ھذه المھام خلال المرحلة الانتقالیة، ویجب أن تضــــطلع بھ ســــلطة مدنیة حقیقیة تمثل أوســــع قطاع من قوى الثورة في مســـتویات الحكم المختلفة الســـیادیة والتنفیذیة والتشـــریعیة في مســـتویاتھا الاتحادیة والإقلیمیة إضـــافة للمفوضیات المستقلة. ھذه المؤسسات تشكلھا قوى الثورة على قاعدة التمییز الصارم بین داعمي الانقلاب الذین لا مكان لھم في مؤسسات الانتقال بعد ھزیمة الانقلاب، وبین من وقفوا موقفاً صارماً ضد الانقلاب
وھم فقط من یحق لھم المساھمة في تشكیل مؤسسات المرحلة الانتقالیة.
تقییم تجربة الحریة والتغییر:
تحـالف قوى الحریـة والتغییر ھو التحـالف الأعرض والأكثر تنوعـاً في تـاریخ بلادنـا، وقـد كـان لـھ قـدح معلى في توحیـد شــــعبنـا خلف مطلـب إســــقـاط نظـام الإنقـاذ، وبرھن أن وحـدة القیـادة والرؤیـة والتنظیم ضـرورة لا بدیل لھا لإسـقاط الاسـتبداد. واجھ التحالف تحدیات جمة عقب اسـقاط البشـیر في التحول من تحالف مقاوم لتحالف یوفر الدعم لحكومة تســـیر دولاب الدولة، خصـــوصـــاً أن ھذا التحول المعقد كان یجري وســط عمل منظم لقوى معادیة اســتھدفت تفتیت الجبھة المدنیة واثارة التناقضــات في أوســاطھا تمھیداً لإجھاض ثورة دیسـمبر المجیدة. ھذه التحدیات جعلت التحالف یقصـر في قضـایا عدیدة على رأسـھا توســیع قاعدتھ واســتیعاب طاقات أبناء وبنات شــعبنا من قوى الثورة، وتأخیر قیام المجلس التشــریعي والحفاظ على تماســـكھ بصـــورة كفؤة وفعالة. أیضـــاً ومنذ الیوم الأول لاختیار الحریة والتغییر للدكتور عبدالله حمدوك رئیسـاً للوزراء وبدأ التشـاور معھ لتكوین حكومة الكفاءات المسـتقلة الأولى، فقد التحالف أي صلة مؤسسیة برئیس الوزراء وبحكومتھ مما خلق تباینات عدیدة وسمح لجھات أن تعمل لزیادة الشقة بین الحكومة وتحالفھا الســیاســي، كان الاداء التنفیذي ایضــاً دون الطموح في بعض الملفات مثل الملف الاقتصـادي في بدایة المرحلة الانتقالیة، وتخلیھ عن ملف السـلام وسـماحھ لمجلس السـیادة في التغول على صـلاحیات الجھاز التنفیذي في الأجھزة الأمنیة )الشـرطة والامن( وملف العلاقات الخارجیة. لم یقم أیضـاً مدنیو مجلس الســــیـادة بـالدور المأمول منھم في وقف تغول العســــكریین وھو الأمر الذي ســــھل مھمة
المجموعة الانقلابیة في زیادة سیطرتھا على مقالید الأمور.
قصـور تحالفنا عن بلوغ ھذه الغایات لا یخفى على عین ونحن نمتلك الجرأة للاعتراف بھ والسـعي الجاد لتلافیھ وتطویر التحالف والانفتاح على جمیع قطاعات شــعبنا، فنحن نعي تماماً أنھ وبدون وجود أوســع جبھة شــعبیة مناھضــة للانقلاب لن نتمكن من اســتعادة ثورتنا ومســارھا الدیمقراطي. طریق المقاومة للاســتبداد ســارتھ مكونات شــعبنا طوال 30 عاماً من عمر الإنقاذ جربت فیھ صــیغ عدیدة وواجھت الة الإنقاذ القمعیة وقتلھا وتعذیبھا وســـجونھا، فتعثرنا مرات وتأخرنا مرات ولكننا كلنا عزم على المضـــي قدماً على قاعدة الاعتراف بقصـورنا الذاتي والموضـوعي والعمل لتصـحیحھ، وكلنا اذان صـاغیة لشـعبنا
الذي نستمع لھ ونتأدب في حضرتھ ونكون لھ خداماً فھو السید والمالك لأمره وقراره.
بناء أوسع جبھة شعبیة لھزیمة الإنقلاب:
تتطلب ھزیمة الانقلاب بناء أوسـع جبھة شـعبیة لمناھضـتھ واسـتخدامھا كافة الوسـائل السـلمیة المجربة والمســتحدثة في المقاومة. ھذه الجبھة تقوم على التنســیق المحكم بین القوى الســیاســیة ولجان المقاومة والمجموعات المھنیة والنقابیة والمجتمع المدني والمنظمات النســـویة والشـــبابیة والمجموعات المطلبیة وتنظیمـات الســــودانیین بـالمھجر وكـافـة تنظیمـات بلادنـا المـدنیـة التي ابتـدعھـا شــــعبنـا. ھـذه الوحـدة لازمـة وضــروریة وبدونھا ســیســھل إجھاض حركة المقاومة، لذا ســتزید وتیرة اســتخدام الانقلابیین للأجھزة
الأمنیة من أجل تقسیم القوى المدنیة المؤمنة بالتحول الدیمقراطي وخلق الوقیعة بینھا.
وحدة قوى الثورة الآن تقوم على العمل المشـترك الوثیق بینھا وتوافقھا على رؤیة موحدة حول المسـتقبل تقوم على الاعتراف المتبادل بأخطاء الماضـي وكیفیة تجاوزھا بصـورة حقیقیة ونھائیة، وإتاحة الفرصـة لكافة مكونات شـعبنا المؤمنة بالتحول الدیمقراطي للإسـھام في تخلق ھذه الرؤیة، واشـتراك أوسـع قطاع من المثقفین والمفكرین والمبدعین والشـباب والنسـاء وتكوینات السـودانیین بالداخل والخارج، بما یوسـع
قاعدة الانتقال الدیمقراطي ویحتفي بكافة مساھمات أطرافھا ویضعھا الموضع الذي تستحق.
اننا نؤكد أنھ لیس ھنالك تناقض جوھري داخل معسـكر الثورة والتحول المدني الدیمقراطي بین الأحزاب السـیاسـیة ولجان المقاومة والمھنیین، ومن یسـعى لاسـتبعاد الأحزاب وشـیطنتھا على سـبیل المثال ویعمل لنزع مشـروعیة وجودھا یسـتھدف كل الحركة المدنیة في الأسـاس، وسـیقضـي على تنظیماتھا واحداً تلو الآخر عقـب إشــــاعـة الفرقـة بینھـا وھو تكتیـك قـدیم للنظم الاســــتبـدادیـة. إن أجھزة الانقلابیین الأمنیـة قـد اسـتخدمت كل امكانیاتھا في تقسـیم الحركة الجماھیریة متبعة سـیاسـة فرق تسـد، ودق اسـفین بین القوى السیاسیة ولجان المقاومة، وتفریغ الطاقة الجماھیریة وتبدیدھا في صراعات ثانویة، كما ان توحید الجبھة العریضــة لا یمكن أن یتبع وصــفة جھة واحدة أو أیدیولوجیة طرف واحد، انما یجب توحیدھا الان على ھزیمة الانقلاب واســتعادة مســار التحول المدني الدیمقراطي، الذي فیھ متســع لإدارة التباینات وھي من طبائع البشــر والمجتمعات، ولا یجب الســعي لمحوھا بل على العكس فإن التباین ثراء متى ما أحســنت
إدارتھ صار عاملاً للقوة والحیویة.
العدالة:
قدم الشــعب الســوداني فلذات أكباده فداءاً لمقاومة الشــمولیة ووضــع البلاد على طریق الحریة والســلام والعدالة. ھذه التضـــحیات تراكمت طوال ســـنوات الإنقاذ الثلاثین في المدن والریف وفي الكفاح المدني والمســــلح وفي الإبـادة الجمـاعیـة في دارفور وجبـال النوبـة وكجبـار وأمري وبورتســــودان والعیلفون والجامعات السـودانیة، وامتدت لثورة دیسـمبر وعقب اسـقاط البشـیر في فض الاعتصـام وما تلاه وصـولاً للمجـازر التي تلـت انقلاب 25 أكتوبر. ھـذه الجرائم لا یمكن أن تســــقط بـالتقـادم ودون حســــاب، ویجـب التوصـــل لمرتكبیھا وضـــمان اعمال العدالة وســـریانھا على الجمیع وعدم الإفلات من العقاب وتســـلیم المطلوبین للمحكمـة الجنـائیة الدولیة فوراً. كما تتطلب بلادنا أیضــــاً عملیة شــــاملة للعدالة الانتقالیة التي
تكشف الجرائم وتنصف الضحایا وتبريء الجراح وتضمن عدم تكرار الجرائم مرة أخرى.
السلام:
نرى في قوى الحریة والتغییر أن عملیة السـلام قد تضـررت بشـكل بالغ من الانقلاب، وقد فقد اتفاق جوبا اطاره الدسـتوري وصـار في مھب الریح، وھو الاتفاق الذي واجھ صـعوبات في تنفیذه خصـوصـاً في شـق الترتیبـات الأمنیـة التي قاومت تنفیذھا قوى الانقلاب، كما أن القلة من القوى التي دعمت الانقلاب من بین قوى سـلام جوبا قد أضـرت بالاتفاق وشـعبیتھ. وتجلت انعكاسـات الانقلاب في تصـاعد المواجھات مؤخراً في دارفور وجنوب كردفان وسـقوط مئات الأبریاء ضـحایا لصـراعات طاحنة بین المكونات الاجتماعیة
في المناطق المتأثرة بالحروب الأھلیة.
إن الوصـول لسـلام دائم یتطلب اطاراً دسـتوریاً دیمقراطیاً وھو الأمر الذي لن یتحقق في ظل الانقلاب، لذا فإن ھزیمة الانقلاب وتنفیذ عملیة السـلام واسـتكمالھا بجعلھا شـاملة تضـم كل الأطراف وتعالج كافة القضایا ھو أحد أھم الواجبات التي سنعمل علیھا.
اثبتت التجربة التاریخیة لبلادنا العلاقة العضـــویة بین الســـلام والدیمقراطیة وأن حل قضـــایا التھمیش الثقافي والتنموي والاقتصــادي مرتبطة بشــكل جوھري بالتحول المدني الدیمقراطي الذي بدونھ لا یمكن اسـتدامة السـلام وضـمان تعبیره عن مصـالح النازحین واللاجئین والمھمشـین والمتأثرین بالحروب الأھلیة في بلادنـا. إن الانقلاب على ثورة دیســــمبر ھو لیس انقلاب على التحول الـدیمقراطي فحســــب بـل ھو انقلاب على عملیة الســلام نفســھا، إذ أن الثورة ھي التي فتحت الطریق لتســریع عملیة الســلام كما أنھا أیضـاً جاءت كتراكم لنضـالات الشـعب السـوداني في الھامش وحواضـر السـودان بكافة اشـكالھا السـلمیة
والمسلحة.
الوضع الاقتصادي والتدھور المعیشي:
وجھ الانقلاب ضــربة قاصــمة للمســاعي التي بذلتھا الحكومة المدنیة الانتقالیة في العامین الماضــیین، والإصــلاحات التي نفذتھا وقادت لوضــع الســودان على مســار اعفاء الدیون وزیادة العون التنموي في قطاعات عدیدة واســتعادة علاقات الســودان مع المؤســســات المالیة العالمیة. ھذه الإصــلاحات التي دفع شــــعبنـا ثمن اثـارھـا الجـانبیـة بـاھظـاً في ارتفـاع معـدلات التضــــخم وتـآكـل قیمـة الجنیـھ وزیـادة تكلفـة أعبـاء المعیشــة وقد تحملھا بجلد وصــبر، واختار الانقلابیون ذات التوقیت الذي كان من المأمول أن یجني فیھ شـعبنا ثمار صـبره بما ینعكس على تسـھیل معیشـتھ وتحسـینھا، لیقوموا بانقلابھم الذي سـیقود البلاد بسـرعة
الصاروخ نحو ھاویة الضیق المعیشي والانھیار الاقتصادي.
ندعو في قوى الحریة والتغییر لوضـع القضـیة الاقتصـادیة المعیشـیة في صـدر القضـایا التي نناضـل على جبھتھا، وسـنعمل مع كافة قوى شـعبنا الحیة في المدن والریف للتصـدي لسـیاسـات النھب والافقار التي یتبعھا الانقلابیون ومنع انزلاق بلادنا إلى ھاویة التدھور الاقتصـادي، وسـنسـتخدم في ذلك كل الوسـائل السـلمیة من إضـرابات واعتصـامات وعصـیان حمایة لحقوق أبناء وبنات شـعبنا في العیش الكریم، فقضـایا لقمة العیش ومعاش الناس ترتبط بصـــورة كاملة بمســـار التحول الدیمقراطي، فلا قیمة لحریة لا تحرر
الانسان من الجوع والمرض والمسغبة.
العلاقة بین المدنیین والمؤسسة العسكریة:
اتسـم التاریخ والحاضـر السـوداني بظاھرة عسـكرة الحیاة السـیاسـیة وتسـییس المؤسـسـة العسـكریة، وقد تأثرت القوات العسـكریة والأمنیة كثیراً بالانقلابات العسـكریة التي ظلت تتخذ فیھا مطیة لتحقیق أجندة لا تحقق مصـالح البلاد العلیا، وجاءت سـنوات الإنقاذ لتجعل وضـع المؤسـسـة العسـكریة أسـوأ حیث قسـمتھا واخترقتھا حزبیاً وأثرت على قومیتھا وخلقت قوات موازیة عدیدة نشــرت الســلاح بصــورة تھدد وحدة
البلاد وسلامتھا.
عقب انتصـار ثورة دیسـمبر المجیدة توفرت فرصـة تاریخیة لتصـحیح العلاقة بین المدنیین والمؤسـسـة العســكریة والإصــلاح الشــامل لمؤســســات البلاد الأمنیة والعســكریة والمدنیة، وفي حین تبنت الوثیقة الدسـتوریة نموذج الشـراكة بین المدنیین والعسـكریین تعبیراً عن توازن القوى المعقد حینھا، ولتنفیذ ھذه المھام وبناء الثقة بین مكونات المجتمع السـوداني، إلا أن الإنقلاب عصـف بھذا النموذج ونسـف جسـور
الثقة بین الطرفین وما عاد تكرار ذات النموذج مجدیاً في ظل تجربة العامیین الماضیین.
إن دعوتنا لنأي المؤسـسـة العسـكریة عن السـیاسـة تأتي من موقع رغبتنا المخلصـة في رؤیتھا في أفضـل موقع ممكن، وســعینا لوجود جیش واحد مھني وقومي ومھني ومحترف یؤدي مھامھ المنصــوص علیھا في الدسـتور ویعكس التنوع السـوداني الفرید، وتمتنع القوى السـیاسـیة عن اقحامھ في صـراعاتھا الحزبیة. ھنالك أیضـاً قضـیة خاصـة ھي قضـیة قوات الدعم السـریع والتي یجب معالجتھا بصـورة شـاملة، تضـمن دمجھا في القوات المسـلحة ضـمن حزمة شـاملة للإصـلاح الأمني والعسـكري تتناول الجوانب السـیاسـیة
والاجتماعیة للقضیة.
وفقـاً لـذلـك تقترح قوى الحریـة والتغییر ضــــرورة الوصــــول لوثیقـة شــــاملـة تحكم العلاقـة بین المـدنیین والمؤســســة العســكریة، تتضــمن رؤیة متكاملة لاســتراتیجیة أمن قومي وســیاســات للإصــلاح الأمني والعســـكري وتنفیذ الترتیبات الأمنیة والوصـــول لجیش واحد قومي ومھني بعقیدة وطنیة یعكس التنوع، وتنظیم النشـاط الاقتصـادي للمؤسـسـات الأمنیة بصـورة تؤكد ولایة المالیة على المال العام، وتخضـع ھذه الأنشـطة لأقصـى معاییر الشـفافیة والمؤسـسـیة وتحصـرھا فیما ھو ضـروري لتقویة منظومة البلاد الأمنیة الوطنیة. ھذه الوثیقة یجب أن تنفذ عبر انشـاء آلیات قویة لضـمان تنفیذھا مسـنودة بتشـریعات واضـحة بما
یضمن إیجاد علاقة صحیة بین المدنیین والعسكریین تعزز استدامة الدیمقراطیة.
إزالة التمكین وتفكیك نظام الثلاثین من یونیو
مھد الانقلاب لعودة الفلول للمشــــھد بصــــورة جدیدة، فقد تحالف معھم قطاع من الانقلابیین وتبدى ذلك واضـحاً في قوائم الفصـل والتعیین التي سـارع بھا قائد الانقلاب، كما وضـح في العداء السـافر للجنة إزالة التمكین التي تھدد مصالح بعض الانقلابیین وحلفائھم بصورة واضحة وجلیة.
مھمة إزالة تمكین نظام الثلاثین من یونیو وتفكیك مفاصـلھ واسـترداد الأموال المنھوبة ھي مھمة جوھریة من مھام الثورة، وقد قامت لجنة إزالة التمكین بعمل كبیر نجح في جبھات عدیدة كما تقاصــر في جبھات أخرى، مما یدفعنا مجدداً لتقدیم كامل الدعم لمھامھا والســعي لاســتعادتھا عقب ھزیمة الانقلاب، والعمل الجاد لدعمھا وتطویرھا واصــلاحھا باســتكمال نواقصــھا وتحدیث مناھج عملھا اســتناداً على تقییم أمین
وشفاف لعمل العامین الماضیین.
الانتخابات:
یرید الانقلابیون تنظیم انتخابات زائفة تشـابھ انتخابات الأنظمة الدكتاتوریة، التي تجرى لزوم تحسـین قبح منظر الاستبداد وتسعى لمنح شرعیة زائفة للانقلابیین وحلفاءھم.
اننـا في قوى الحریـة والتغییر نرى أھمیـة قیـام انتخـابـات عـامـة في أقرب فرصــــة ممكنـة عقـب ھزیمـة الانقلاب وإقـامـة ســــلطـة مـدنیـة انتقـالیـة تعبر عن قوى الثورة، وقیـام انتخـابـات حرة ونزیھـة لـھ متطلبـات أھمھا توفر المناخ الدیمقراطي وضـمان حریة التعبیر والتنظیم والتجمع والاعلام وعدم ترویع المواطنین ومنع استخدام المال الفاسد في الرشاوى وشراء الذمم وتسمیم الحیاة السیاسیة، وتشكیل مفوضیة انتخابات مســـتقلة ومراقبة دولیة موثوق بھا لكافة مراحل العملیة الانتخابیة والتوافق على قانون انتخابي یضـــمن التمثیـل العـادل لكـل الفئـات الاجتمـاعیـة ویعكس الخریطـة الحقیقیـة للبلاد، واجراء تعـداد ســــكـاني دقیق وعلمي مراقب دولیاً وإصـلاح المنظومة الأمنیة والعدلیة والشـروع في الترتیبات الأمنیة وعودة النازحین
واللاجئین. یجب الفراغ من ھذه المھام بأســــرع وقت ممكن وتمكین بنات وأبناء شــــعبنا من اختیار من یحكمھم والاتیان بمؤسسات حكم ذات مشروعیة شعبیة.
المجتمع الدولي والإقلیمي:
وضــعت ثورة دیســمبر المجیدة الســودان في موقع متقدم على الصــعید الدولي، وحققت انجازات غیر مســــبوقـة لبلادنـا في المحیطین الإقلیمي والـدولي واخرجتھـا من قـائمـة الـدول الراعیـة للإرھـاب، واعطـت السـودان صـورة زاھیة وجذابة وجعلتھ مصـدر الھام لشـعوب العالم، واسـتعادت علاقتھ مع المؤسـسـات المالیة الدولیة وأوقفت الدور التخریبي الذي كان نظام الإنقاذ یقوم بھ في المنطقة وتدخلاتھ في الشـــؤون الداخلیة للجیران، كما اسـتعادت بلادنا الدور الرائد للدبلوماسـیة الموظفة لخدمة المصـالح الوطنیة العلیا. إن ثورة دیسـمبر لم تشـكل فرصـة للسـودانیین فحسـب بل ھي فرصـة لجیراننا أیضـاً في المحیط الافریقي
والعربي لبناء علاقات تكامل على قاعدة التعاون والتكافؤ بما یخدم مصالح شعوب المنطقة بأسرھا.
وتتوجھ قوى الحریة والتغییر بأسـمى آیات الشـكر لكل الدول والمؤسـسـات التي تضـامنت مع شـعبنا في مقـاومتـھ ورفضــــھ للإنقلاب، ونؤكـد لھم بـأنھم قـد وقفوا على الجـانـب الصــــحیح من التـاریخ، فســــودان دیمقراطي مدني مستقر ھو الطریق لتحقیق مصالح شعبھ وجیرانھ والأسرة الدولیة.
وتشــــعر قوى الحریة والتغییر بالأســــف لبعض المواقف الإقلیمیة والدولیة المحدودة الداعمة للإنقلاب، ونؤكد أن الدول التي اختارت دعم الإنقلاب -لا سـیما من جیران السـودان الأقربین- قد أضـرت بمسـتقبل العلاقات مع السـودان وشـعبھ، والعلاقة مع الشـعب ھي الباقیة والأنظمة زائلة، وتدعوھا لمراجعة موقفھا
واحترام رغبة السودانیین والسودانیات في حكم مدني دیمقراطي.
سـنعمل مع كل قوى الثورة على الوصـول لسـیاسـات خارجیة متوازنة تقوم على تلبیة مصـالح البلاد العلیا وتجنیبھـا أي تحیزات أیـدیولوجیـة لا تخـاطـب أولویـات شــــعبنـا وغـایـاتـھ، ونؤكـد بـأن إنزال الھزیمـة المـاحقـة بالانقلاب ضــروریة لاســترجاع مســار الانفتاح الذي تحقق بفضــل ثورة دیســمبر المجیدة والذي أعاد السـودان دولة ذات سـیادة واحترام وسـط العالم الذي ینظر بإعجاب لتضـحیات السـودانیین والسـودانیات
ومقاومتھم الباسلة للشمولیات أیاً كان مصدرھا.
خاتمة:
ثورة دیســمبر المجیدة ھي علامة فارقة في تاریخ نضــال شــعبنا من أجل حریتھ وكرامتھ، وقد برھنت على اختلافھا الجذري من ســابقاتھا في محكات عدیدة اكثرھا وضــوحاً ھو الھبة العفویة لشــعبنا ضــد انقلاب 25 اكتوبر منـذ ســــاعتـھ الأولى، وھو مـا یؤكـد عمق ایمـان شــــعبنـا بـالتحول المـدني الـدیمقراطي وتجـذر ھـذه الرغبـة فیـھ، ممـا ینزع أي إمكـانیـة لایجـاد مشــــروعیـة لأي انقلاب كـان، وھو قفزة نوعیـة في الوعي السوداني وأجیالھ الجدیدة التي ترفض التعایش مع الحكم العسكري غض النظر عن مصدره، وان الانقلابات العســكریة التي صــارت بعضــاً من ذاكرة التاریخ لن تجد لھا موطيء قدم في ســودان ما بعد
دیسمبر.
إن شـعبنا ملھم وأن بسـالة الشـھداء والجرحي ولجان المقاومة والشـباب والنسـاء لن تعود خاویة الوفاض بل ســتعیش وطن الحریة والســلام والعدالة الذي عمل لھ الملایین. نحن أمام فرصــة تاریخیة لتأســیس مجتمع دیمقراطي راسـخ تسـوده المواطنة المتسـاویة وحكم القانون والسـلام الاجتماعي والرفاه الاقتصـادي وانھاء كافة اشـكال التمییز، وھي فرصـة سـنقاتل جنباً إلى جنب مع شـعبنا لاغتنامھا … فالشـعب أقوى

المجلس المركزي القیادي لقوى الحریة والتغییر 16 دیسمبر 2021
والردة مستحیلة.

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.